ياسر الحراق الحسني حول التشيع في المغرب.. حاوره الصحفي عزيز الحر من أسبوعية الآن المغربية




س-  كيف تقيمون الوجود الشيعي بالمغرب الآن؟

أريد أن استهل الإجابة على هذا السؤال بتذكير جنابكم انني اذهب مذهباً مخالفاً لغالبية الباحثين في موضوع التشيع المغربي. مذهبي في مقاربة الموضوع يتفق إلى حد كبير مع أطروحة الأستاذ إدريس هاني ،الذي يعتبر سلطة علمية في مثل هذه الأبحاث، في إعتبار التشيع في المغرب مكوناً سوسيوثقافياً، و أن بذرته غرستها الدولة الإدريسية إلى أن اختلف معه بكل إحترام و تقدير في قضيتين اساسيتين في هذا الملف. إحداهما العامل الأندلسي تأثراً و تأثيراً في التشيع المغربي، و الثانية حول شيعية بعض علماء المغرب من عدمها. و في حين يرى البعض مثل الدكتور محمد غيلاني أن هناك تحولاً فكرياً - أظن أنه يرجعه إلى الإنفتاح المعلوماتي المفروض - في المغرب من شأنه إنتاج تحول عقدي لا ينعكس في السلوك التعبدي الجماعي داخل أوساط الشباب المغربي، بحيث يحتفظون بقناعاتهم ضمن دائرة السلوك التعبدي الفردي؛ أرى في مقابل ذلك أن التشيع في المغرب لا يعبر عن تحول فكري بقدر ما هو إنبعاث ينعكس على السلوك التعبدي الفردي و الجماعي. و السبب الذي جعل أمثال الدكتور غيلاني المحترم لا يرون إنعكاساً للتعبد الشيعي الجماعي في المغرب يرجع إلى جهلهم أصلاً بالتشيع المغربي. فإذا كان التعبد الجماعي عندهم هو اقامة المجالس في الحسينيات أو المساجد الشيعية أو مواكب التطبير و الزنجيل و غير ذلك من الواجبات العينية و الكفائية و المستحبات فهم إلى هنا يتحدثون عن تمظهرات التشيع في الخارج. انهم يدرسون تمظهرات التشيع في باكستان و الهند و إيران و العراق في محاولتهم لفهم التشيع في المغرب و هذا خطأ علمي. الشيعة في المغرب كما سبق أن شاهدت يصلون في مساجد الدولة كباقي الناس. فكونهم في المساجد العامة  يسجدون على الحصير أو الأرض، و يصلون فرادى داخل الجماعة (و هذا إحتياط يعمل به الكثيرون حتى في المساجد الشيعية) و غير ذلك لا يعني أنهم لا يمارسون التعبد الجماعي. إن التعبد الشيعي الجماعي -في مثال الصلاة- جاري به العمل في المغرب. و إذا سأل سائل مثلاً :"كيف نعرف الشيعي من السني إذن في مسجد مغربي؟"، سيكون جوابه أن أعرف أولاً الحنبلي من المالكي أو الشافعي تعرف بعدها الشيعي من غيره..أما الشعائر و الطقوس، فلا زال الشيعة المغاربة يتخذون من أضرحة صلحاء المغرب و ساداته أماكن للدعاء و التوسل و يأتونها جموعاً و فرادى و هذا تمظهر آخر للتعبد الجماعي لشيعة المغرب. هناك تعبد جماعي على مستوى الأسرة سواء كان ذلك إحتفالا بمواليد أهل البيت أو حزناً في مناسبات رحيلهم. الصبغة الجماعية هنا تتمثل في الأسرة بحيث أن الذي يعيد لا يعيد وحده، بل يشمل ذلك إدخال الفرح و السرور على الأطفال و ما شابه ذلك في مناسبات الفرح. و يشمل في مناسبات الحزن لبس السواد و الإبتعاد عن البرامج التلفزية الترفيهية و الإكثار من سماع القرآن. و هناك أشياء أخرى تتعلق بالتعبد الجماعي الشيعي في المغرب تحتاج مجالاً بحثياً أوسع. إن أمرالتشيع في المغرب أشبه بمن يتكلم لغةً و لا يعرف قواعدها. الشيعي المغربي القديم هو من يتكلم اللغة و الشيعي المغربي الحديث هو من اطلع من خلال الإنترنت و الفضائيات على قواعدها. و التمظهرات الجماعية للتشيع المغربي يمكن تشبيهها بالنغمة المغربية التي تصحب المغاربة عندما يتكلمون الفصحى..فبقدر ما هناك نغمة مغربية عند المغربي المتكلم بالعربية الفصحى، هناك تمظهر مغربي عند المغربي الذي يعتنق المذهب الشيعي.


س- ما حقيقة اختلاف المرجعيات الشيعية في المغرب بين منتمين إلى مرجعية السيد خامنئي أو الإمام الشيرازي أو السيد السستاني أو الخط الرسالي المتأثر بفكر السيد محمد حسين فضل الله؟


التشيع دار للإختلاف في الإجتهاد



إنه من المبالغة الحديث عن إختلاف مرجعيات أجنبية داخل الساحة المغربية بما يفهم منه تسخيرها لأتباعها في المغرب لخوض حرب بينية هي أصلاً غير موجودة. الخلاف بين المرجعيات الشيعية موجود دائماً لكن لا يرقى إلى التناحر. فتجد أحياناً خلافاً بين المقلد و مرجعه في مسألة ما، و تجد تلميذاً في الحوزة يشكل على أراء مرجع يدرسه. التشيع يستوعب الإختلاف و ليس مجالاً تكفيرياً متطرفاً كما هو الحال بالنسبة لمدارس التكفير المعروفة. لكن هذا لا ينفي وجود بعض العناصر في شكل تنظيمات و مجموعات سياسية تستفيد من مواضيع مثل المرجعية الدينية لأهداف سياسية. فما تجده من خلافات حادة في بعض الدول مثل العراق مثلاً و صدامات أحياناً بين أتباع مرجعيات مختلفة هو من نتاج مثل هذه المجموعات المذكورة. التشيع ليس فيه أي نوع من القطبية. فهو - طبعاً عدا قلة متطرفة - يجيز لك أن تختار العالم الذي تطمئن إلى أعلميته و نزاهته و يجيز لك العدول عن عالم و تقليد آخر، كما يفتح أمامك الباب للتأهيل و التصدي للمرجعية. و على هذا ابني لأقول أن الإختلاف في الإجتهاد و الرأي هو من المميزات الطبيعية للتشيع.



أهم خطوط الإختلاف العامة

لا يمكن الحديث تفصيلاً عن الإختلافات بين المرجعيات المذكورة (الخامنئي، السيستاني، الشيرازي، فضل الله)  من الناحية الأرثودوكسية المتعلقة بالضروريات العقدية و الأرثوبراكسية المتعلقة بالسلوكيات لأن ذلك يحتاج إلى دراسة وافية. و لكن يمكن الحديث إجمالاً عن الإختلاف في حدود الإتجاه الفكري العام لكل من العلماء المذكورين بحسب باقة من المواضيع نطرحها بإختصار كما يلي:




1- الديموقراطية:

الشيرازي/السيستاني : يؤيد دولة مدنية تعاقدية يتساوى فيها مختلف الناس بأديانهم المختلفة أمام القانون مع ضمان حرية مطلقة في مجال العقيدة. الحل لمسائل الميراث و الأوقاف و غيره عند هذا التيار يؤتى من خلال التعاقد الخاص الذي لا يحتاج إلى تنصيص في المجال التشريعي العام. يلاحظ غياب اشكالية "الردة" عند تيار الدولة المدنية.في هذا التيار لا توجد ولاية مطلقة للفقيه.

فضل الله : يؤيد الديمقراطية الظرفية . بحيث إذا قامت دولة دينية على أساس ديمقراطي و تحول النظام إلى دولة ولاية الفقيه مثلاً فإنه يؤخذ بالثانية. فقد صرح في الماضي للجزيرة عن كونه لا يقول بولاية الفقيه في لبنان ، لكن في نفس الوقت هو لا يطرح عليها اشكالات في إيران. الردة كما صرح لصحيفة نيوز ويك تدخل مدخل الخيانة العظمى للنظام إذا كان النظام إسلامي.

الخامنئي: يؤيد ديموقراطية دينية على مستوى العالم الإسلامي و قد وصف الربيع العربي بالصحوة الإسلامية. لكن في داخل إيران يؤيد ولاية الفقيه المطلقة بموازاة - لكن مع مراقبة - ديموقراطية غير مباشرة ينتخب فيها الشعب الممثلين بعد موافقة الجهات التابعة لإدارة الفقيه أو المرشد. حد الردة قائم.



2. التصوف:

الشيرازي/السيستاني: يرى هذا التيار أنه إنحراف يبلغ ذروته عند مسألة وحدة الوجود و الموجود.

فضل الله : غير واضح.

الخامنئي: يدعم المدارس الصوفية و العرفانية.



3. الجهاد و الحرب:

الشيرازي/السيستاني: يتقيد هذا التيار بالاحتياط و يشدد من شروط الجهاد و الحرب لدرجة طلب إجماع المراجع العدول. يتحفظ أو يحرم العمليات الإنتحارية خاصةً التي تستهدف غير الجنود المحاربين.

فضل الله: يؤيد جوازه دون إجماع كل المراجع و يفتي بالعمليات الإستشهادية عند الضرورة مثل الدفاع عن حوزة الوطن أو تحريره.

الخامنئي: يؤيد جوازه دون إجماع كل المراجع و يفتي بالعمليات الإستشهادية عند الضرورة مثل الدفاع عن حوزة الوطن أو تحريره.



4. الوحدة الإسلامية:

الشيرازي/السيستاني: تيار يدعم الوحدة في قضايا الإقتصاد و التنمية و الدفاع المشترك و التعاون الإستراتيجي. ضد وحدة دينية تلغي الخصوصيات المذهبية و تفرض المجاملات.

فضل الله: يعتقد أن تصفية المذاهب من الخرافات سيصب في جمع كلمة المسلمين و توحيد صفهم. هذا التيار أتى على عدد من المسائل الخصوصية فكراً و تطبيقاً في المذهب الشيعي و ألغاها ما جعله يقترب طبيعياً من المذهب السني العام.

الخامنئي: مع الوحدة الإسلامية و قدم تنازلات وصلت إلى حد محاولة منع الشهادة الثالثة في إيران التي لقيت معارضة كبار العلماء. من التنازلات أو المراجعات التي قام بها في السعي إلى الوحدة كذلك منع أجزاء من كتب الحديث الشيعية التي تستعرض مثالب الصحابة و غير ذلك.



5- حقوق الشيعة :

السيستاني: غير معروف

الشيرازي: يدعم إعلاميا و فتوائياً منظمات غير حكومية تدافع عن حقوق الشيعة في العالم عندما يتم انتهاكها. مثل هذه المنظمات نجحت في منع عدد من الأشخاص من السفر إلى أوروبا و امريكا و سجلت دعاوي ضد آخرين.

فضل الله : سجلت حالات دعم حقوقي إعلامي.

الخامنئي: دعم إعلامي في بعض الحالات و دعم إستثنائي مادي لمنظمات لبنانية شيعية و فلسطينية غير شيعية.

كل هذه التباينات لم تسبب في مناخ قطيعة بين الأذواق الشيعية المختلفة في المغرب و لم يسجل أي شيء يتعدى النقاش أو النقاش الحاد أحياناً في العالم الإفتراضي.

س- ما هي وجهة نظركم في ما يقوم عليه الخط الرسالي من مبادئ وتوجهات؟

الخط الرسالي كما لاحظت مبادرة لم تكتمل ملامحها و انتابها تغيير في بعض المواقف ما يجعلني انتظر مواظبة فكرية من أجل الحكم عليها.




ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق